عبد الكريم الخطيب
481
التفسير القرآنى للقرآن
فيمن خرج من المشركين لحرب النبي والمسلمين ، أمسك به عبد اللّه بن أبي بكر عن الخروج ، إلا أن يقيم كفيلا يؤدى عنه ما خاطر عليه أبا بكر إذا انهزمت الفرس ، وغلبت الروم ، فأقام كفيلا له . وهذا يعنى أن الحرب التي بدأت بين الدولتين في سنة 622 ، كانت ما تزال قائمة لم تنته بعد إلى نتيجة حاسمة ، أو أنها قد تكون قد انتهت ، ولكن أخبارها لم تكن قد وصلت إلى أهل مكة . وعلى أىّ فإنه لم يكد المسلمون يفرغون من المشركين في معركة بدر ، ويأخذون طريقهم إلى المدينة ، وفي قلوبهم فرحة النصر ، وفي أيديهم ما وقع لهم من مغانم - حتى يلقاهم على طريق المدينة من يخبرهم بما انتهى إليه أمر القتال الذي كان دائرا بين الفرس والروم ، وأن الروم قد هزموا الفرس ، وأخرجوهم من بيت المقدس ، وما استولوا عليه من بلاد الروم ، كما استولوا على كثير من مدن فارس وأقاليمها . . وبهذا جاءت فرحة المسلمين بهذا النصر الذي مكن لهم من رقاب المشركين يوم بدر - جاءت هذه الفرحة موقوتة بالوقت الذي نطقت به الآيات في قوله تعالى : « وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ » أي أن يوم غلبة الروم للفرس ، سيكون في هذا اليوم الذي ينتصر فيه المسلمون على المشركين ، وتمتلئ قلوبهم فرحة بهذا النصر العظيم . . فالنصر الذي يفرح به المؤمنون حقّا ، هو نصرهم على المشركين من أهل مكة ، الذين سخروا منهم ، وصبّوا عليهم ألوان البلاء ، وأخرجوهم من ديارهم . . وهذا هو نصر اللّه الذي وعدهم به ، ووقّت له غلبة الروم للفرس ! وهذا هو السرّ - واللّه أعلم - في هذا الذي جاء عليه النظم القرآني ، من التعبير عن الصراع بين الفرس والروم بالغلب والتغالب ، على حين جاء التعبير عن غلبة المسلمين للمشركين ، بكلمة « النصر » . . فهو نصر لدين اللّه ،